أبو الليث السمرقندي
252
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
المهاجرين ، فقاتلوهم حتى أهبطوهم من الجبل . وقد كان جبير بن مطعم قال لمملوك له - يقال له وحشي - : إن أنت قتلت محمدا جعلت لك أعنة الخيل ، وإن أنت قتلت علي بن أبي طالب جعلت لك مائة ناقة كلها سود الحدقة ، وإن أنت قتلت حمزة فأنت حرّ . فقال وحشي : أما محمد فعليه حافظ من اللّه تعالى لا يخلص إليه أحد ، وأما عليّ فما برز إليه رجل إلا قتله ؛ وأما حمزة فرجل شجاع ، فعسى أن أصادفه في غرّته فاقتله مكانه . وكانت هند كلما مرّ بها وحشي أو مرّت به هند قالت له : إيها أبا دسمة اشف واستشف . فكمن وحشي خلف صخرة ، وكان حمزة حمل على قوم من المشركين ، فلما رجع من حملته مرّ بوحشي وهو خلف الصخرة ، فزرقه بمزراق فأصابه فسقط ، فذهبت هند ابنة عتبة والنسوة اللاتي معها يمثلن بالقتلى ، يجدعن الآذان والأنوف ، وشقّت هند بطن حمزة وأخذت كبده ومضغته ، ثم صعدت هند على صخرة وهي تنادي بأعلى صوتها : نحن جزيناكم بيوم بدر . وأقبل أبو سفيان وهو يصرخ بأعلى صوته : اعل هبل يوما بيوم بدر . فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم لعمر : « أجبه يا عمر » . فأجابه عمر : اللّه أعلى وأجل لا سواه ، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار . ثم ركب النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم بغلته ، وظاهر بين درعيه ، وأخرج يده من جيب الدرع ، وسلّ سيفه ذا الفقار ، وباشر القتال بنفسه ، وحمل على المشركين والتأم إليه المسلمون فأعانوه ، وهزم اللّه جمع المشركين ، وقتل يومئذ من المسلمين سبعون رجلا : أربعة نفر من المهاجرين ، وستة وستون من الأنصار . وقتل يومئذ من المشركين تسعة عشر رجلا أو أكثر ، وكثرت القروح في أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فعزّاهم اللّه تعالى : في ذلك بقوله تعالى : إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ قرأ عاصم في رواية أبي بكر والكسائي وحمزة : قرح بضم القاف والباقون بالنصب . قال الفراء : القرح والقرح واحد . ويقال : القرح بالنصب مصدر ، والقرح بالضم اسم . ويقال : القرح بالنصب الجراحة ، وبالضم ألم الجراحة . يعني إن أصابكم الجراحات يوم أحد فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ يقول : قد أصاب المشركين جراحات مثلها يوم بدر . وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ يقول : يوم لكم ويوم عليكم ، وهذا كما يقال في الأمثال : الأيام دول والحرب سجال . ثم بيّن المعنى الذي تداول مرة لهم ومرة عليهم ، فقال تعالى : وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا يعني يتبين المؤمن من المنافق أنهم يشكون في دينهم أم لا ، لأن المؤمن المخلص يتبين حاله عند الشدة والبلايا . وهذا كما روي عن لقمان الحكيم أنه قال لابنه : إن الذهب والفضة يختبران بالنار ، والمؤمن يختبر بالبلايا ، والاختبار من اللّه تعالى إظهار ما علم منه من قبل فذلك قوله تعالى : وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا يعني ليبين لهم اللّه الذي يعلم إيمانه ، لأنه يعطى الثواب بما يظهر منه لا بما يعلم منه ، وكذلك العقوبة . ألا ترى أنه علم من إبليس المعصية في المستقبل ثم لم يلعنه ما لم يظهر منه . ثم قال تعالى : وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ يعني لكي يتخذ